سيد قطب
2110
في ظلال القرآن
فهذا هو الذي من أجله أسكنهم هناك ، وهذا هو الذي من أجله يحتملون الجدب والحرمان . « فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ » . . وفي التعبير رقة ورفرفة ، تصور القلوب رفافة مجنحة ، وهي تهوي إلى ذلك البيت وأهله في ذلك الوادي الجديب . إنه تعبير نديّ يندّي الجدب برقة القلوب . . « وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ » . . عن طريق تلك القلوب التي ترف عليهم من كل فج . . لما ذا ؟ أليأكلوا ويطعموا ويستمتعوا ؟ نعم ! ولكن لينشأ عن ذلك ما يرجوه إبراهيم الشكور : « لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ » . . وهكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام . . إنه إقامة الصلاة على أصولها كاملة للّه . ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويّها إلى أهل البيت ورزقهم من ثمرات الأرض . . إنه شكر اللّه المنعم الوهاب . وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة واضحة في موقف قريش جيرة البيت المحرم . . فلا صلاة قائمة للّه ، ولا شكر بعد استجابة الدعاء ، وهويّ القلوب والثمرات ! ويعقب إبراهيم على دعاء اللّه لذريته الساكنة بجوار بيته المحرم لتقيم الصلاة وتشكر اللّه . . يعقب على الدعاء بتسجيله لعلم اللّه الذي يطلع على ما في قلوبهم من توجه وشكر ودعاء . فليس القصد هو المظاهرات والأدعية والتصدية والمكاء . إنما هو توجه القلب إلى اللّه الذي يعلم السر والجهر ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء : « رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ : وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ » . . ويذكر إبراهيم نعمة اللّه عليه من قبل ؛ فيلهج لسانه بالحمد والشكر شأن العبد الصالح يذكر فيشكر : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ » . . وهبة الذرية على الكبر أوقع في النفس . فالذرية امتداد . وما أجل الإنعام به عند شعور الفرد بقرب النهاية ، وحاجته النفسية الفطرية إلى الامتداد . وإن إبراهيم ليحمد اللّه ، ويطمع في رحمته : « إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ » . ويعقب على الشكر بدعاء اللّه أن يجعله مديما للشكر . الشكر بالعبادة والطاعة فيعلن بهذا تصميمه على العبادة وخوفه أن يعوقه عنها عائق ، أو يصرفه عنها صارف ، ويستعين اللّه على إنفاذ عزيمته وقبول دعائه : « رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ . وَمِنْ ذُرِّيَّتِي . رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ » . . وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة مرة أخرى في موقف جيرة البيت من قريش . وهذا إبراهيم يجعل عون اللّه له على إقامة الصلاة رجاء يرجوه ، ويدعو اللّه ليوفقه إليه . وهم ينأون عنها ويعرضون ، ويكذبون الرسول الذي يذكرهم بما كان إبراهيم يدعو اللّه أن يعينه عليه هو وبنيه من بعده ! ويختم إبراهيم دعاءه الضارع الخاشع بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين جميعا ، يوم يقوم الحساب ، فلا ينفع إنسانا إلا عمله ؛ ثم مغفرة اللّه في تقصيره : « رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ » . . وينتهي المشهد الطويل : مشهد الدعاء الخاشع الضارع . ومشهد تعداد النعم والشكر عليها . . في إيقاع موسيقي